الإسلام و العالم

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

   قاعدة بيانات الرد على الشبهات والإفتراءات على الإسلام      الإسلام أسرع الأديان إنتشارا      فضائح زكريا بطرس      الأقباط منقرضون      تحريف الكتاب المقدس      أخبار ومقالات      حصاد المدونات      دليل المدونات الإسلامية      أفلام وثائقية      فيلم التاريخ الإسلامي في أوروبا      إنتشار الإسلام      إنتشار النصرانية      عقيدة نصرانية      ردود على إفتراءات النصارى      بشارات النبى الخاتم فى التوراة والانجيل والقرآن      فضائح نصرانية      برنامج تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي      البابا شنودة يشرح خطة إستيلاء الكنيسة على أراضي الدولة ويكشف سر المهنة      بشارات النبى الخاتم فى التوراة والانجيل والقرآن ـ الجزء الخامس والعشرون      هكذا يصنعون الفتنة      سر الكهنوت: سلطة مطلقة وإشراك للبشر مع الله - الجزء الأول      المنهاج العلمي في القرآن المجيد - الجزء الثاني      بشارات النبى الخاتم فى التوراة والانجيل والقرآن ـ الجزء الرابع والعشرون      ماذا لو أحرق بعض المسلمين الإنجيل مثلما أحرقه اليهود؟ وماذا لو قرر اليهود إنتاج فيلم “يسوع اليهودي”؟      بشارات النبى الخاتم فى التوراة والانجيل والقرآن ـ الجزء الثالث والعشرون      البابا شنودة: المسيحية لا تحرّم الخمر ونستخدمها في الأسرار المقدسة      المنهاج العلمي في القرآن المجيد - الجزء الأول      الأسقف الشاذ جنسياً: الكتاب المقدس لا يحرّم الشذوذ الجنسي      بشارات النبى الخاتم فى التوراة والانجيل والقرآن ـ الجزء الثاني والعشرون      القبض على المنصر أنيس شروش… فيديو      من أكاذيب القساوسة: القرآن الكريم يذكر أن المسيح عليه السلام يعلم الساعة      الكنيسة القبطية تصرخ من ظاهرة اسلام الاقباط      الأنبا مكسيموس لقناة الجزيرة: مليون و ثمانمائة ألف قبطي إعتنقوا الإسلام!!!      ماكس ميشيل يستغيث بـ «مسيحيي العالم» لإنقاذ أقباط مصر من «كارثة الارتداد عن الدين»      الهجوم على الاسلام و التنصير السلبي      لماذا تسبب الاسلام في انتحار رجل دين مسيحي الماني حرقا؟      مسلمون جدد - قساوسة اصبحوا دعاة للاسلام      مسلمون جدد - نساء اصبحن مسلمات      إسلام شقيقة الأنبا بيشوي الرجل الثاني في الكنيسة القبطية      الإلحاد .. للخروج من المأزق      فضيحة زكريا بطرس بالفيديو      زكريا بطرس يتسبب في إسلام فتاة مسيحية!!!      عمرو أديب يفضح زكريا بطرس      الهروب الكبير لزكريا بطرس      فضيحة جديدة في هروب القمص زكريا بطرس من المناظرة مع الدكتور منقذ السقار      الأنبا بيشوي يفجر مفاجأة: زكريا بطرس بروتستانتي!!!      أين مخطوطة الراهب بحيرا يا زكريا بطرس؟      الاعلان عن اشهار زكريا بطرس لاسلامه      زكريا بطرس يقر انه يكذب و يدلس على الاسلام      سؤال إلى صديقي النصراني: هل إلهك في الفضلات وفي المجاري؟! وهل تعبده في الحمام؟!      زكريا بطرس مستعد أن يعبد بقرة!!!      اليهود: يسوع إله النصارى إبن زنا.. الكتاب المقدس: يسوع من نسل زناة.. والنصارى صامتون ويفترون على أشرف المرسلين      قس يعاشر ابنتيه لتدريبهما على القيام بواجباتهما الزوجية!!      رئيس منظمة قبطية يعترف: الدعارة منتشرة بالكنائس      منوعات من فضائح النصاري و المنصرين      جريمة قتل بإشتراك الكنيسة!      الفاتيكان: الكنائس الارثوذكسية فاسدة و الطوائف الأخرى ليست كنائس حقيقية      التنصير في افريقيا… يسوع مقابل الغذاء      تحريف الكتاب المقدس      شبهات وهمية حول الكتاب المقدس      نسف خرافة “إستحالة تحريف الكتاب المقدس” - العهد القديم      نسف خرافة “إستحالة تحريف الكتاب المقدس” - العهد الجديد      قبر المسيح المفقود      أم تسلق إبنها وتأكله مع جارتها!!!      صور مسيئة ليسوع      إبادة شعوب العالم الإسلامي ومحو الإسلام من الوجود: الشعيرة الأساسية في الديانتين المسيحية واليهودية      الخروف .. أو الإله في الديانة المسيحية      البابا شنودة الثالث يروي كيف صارع الإنسان ” الإله ” .. وكيف أسره ..!!!      قصة الفداء والصلب في الديانة المسيحية      عيد الميلاد المجيد (الكريسماس)… ودليل آخر على الجذور الوثنية للنصرانية      بولس الرسول .. مؤسس المسيحية : الشخصية      بولس الرسول .. مؤسس المسيحية: موقف بولس من الشريعة      الإجرام الكتابي وغياب البعث والجزاء في الديانتين اليهودية والمسيحية - الجزء الأول      الإجرام الكتابي وغياب البعث والجزاء في الديانتين اليهودية والمسيحية - الجزء الثاني      الإجرام الكتابي وغياب البعث والجزاء في الديانتين اليهودية والمسيحية - الجزء الثالث      هيكل سليمان .. وعبادة الشيطان      قاعدة بيانات الرد على الشبهات والإفتراءات على الإسلام      اثبات تدليس المدلس الجاهل زكريا بطرس      دائرة المعارف الاسلامية: مرجع اسلامي ام مرجع ضد الاسلام؟      المرأة في الإسلام و النصرانية و اليهودية      من أكاذيب القساوسة: حديث “ينزل فيكم عيسى بن مريم ديانا للعالمين”      التداوي بأبوال الإبل وألبانها      شباب المسلمين يفتحون آفاقاً جديدة للرد على اسئلة وشبهات غير المسلمين      مفكر قبطي يتوقع انقراض النصارى في مصر خلال مائة عام…      الأنبا دانيال يعترف بإنقراض الأقباط      عمرو أديب يناقش مأساة الطلاق عند الأقباط وإستبداد الكنيسة      عمرو أديب والأنبا مكسيموس ومسلسل إنهيار الكنيسة القبطية      البابا شنودة ينفي اضطهاد الاقباط في مصر      الأنبا موسى ينفي إضطهاد الأقباط في مصر      المستشار القانوني للبابا شنودة و اللعب على المكشوف!      الفيلم الوثائقي المسيح في عيون المسلمين      قبر المسيح المفقود      معسكر يسوع لتدريب الاطفال في امريكا ليكونوا جنود في جيش الرب      البابا يرأس قداس عيد القيامة عارياً!!!      إساءة هولندية جديدة… ولكن هذه المرة للمسيح عليه السلام      وفاء سلطان: أظهر في الجزيرة لإيصال رسالة وليس للحوار مع المسلمين لأنهم ليسوا أهلاً للحوار      دكتور عزت عطية يتراجع ويعتذر عن فتوى رضاعة الكبير والأزهر يفصله عن العمل      هكذا أصبحت هندوسي!!      هل بيوتنا تحولت الى صالة للقمار؟      الحرب العالمية الثالثة على متر مربع من القماش يسمى الحجاب      قاطعوا المنتجات الدنماركية   

المنهاج العلمي في القرآن المجيد - الجزء الأول

ليس من الصعب ـ على الإطلاق ـ البرهنة العلمية على وثنية وخرافة الديانتين اليهودية والمسيحية ، ولكن الصعب ـ كل الصعب ـ أن نجعل شعوب هاتين الديانتين تنصت إلينا كناتج طبيعي من غسيل المخ الذي يجريه رجال الدين على الأتباع منذ طفولتهم

 

*******

 

المنهاج العلمي في القرآن المجيد

القانون الفيزيائي والمُسَلَّمَة العلمية بين الصياغة البشرية والصياغة الإلهية

دكتور مهندس : محمد الحسيني إسماعيل

 

يتناول هذا البحث عرض ” المنهاج العلمي المعاصر ” كما يجيء به القرآن المجيد ، وهو المنهاج الذي يمثل جوهر فكر ” التحول في النموذج الديني ” الذي سبق الحديث عنه في مقالات سابقة . ويبين هذا البحث أن مصدر المعرفة والتطور الحضاري للإنسان هي إلهام إلهي يقذف به الحق ( الله سبحانه وتعالى ) في الفكر البشري .. لحكمة الغايات من الخلق . والمعروف أن نهاية التاريخ ليس ” الديموقراطية الليبرالية الغربية ” كما يقول بهذا محدودي الفكر من الكُتّاب أمثال ” فرانسيس فوكوياما ” [1] .. بل أن نهاية التاريخ هو وصول البشرية إلى المعرفة الحقة لله ( سبحانه وتعالى ) وكذا إدراك الغايات والحكمة من خلقها ، كما جاء في قوله تعالى ..

{ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42) }

( القرآن المجيد : النجم {53} : 42 )

وهو الهدف الأساسي من كل كتاباتي السابقة ( أنظر مقالة : ” نهاية التاريخ : بين النموذج الغربي والنموذج القرآني ” ) . ويعرض هذا البحث للتطور التاريخي لتعريف المُسَلّمَات العلمية والقانون الفيزيائي منذ بداية الحضارة الإنسانية متمثلة في هندسة إقليدس .. وحتى الحضارة المعاصرة متمثلة في النظريات الفيزيائية الكبرى ( النسبية الخاصة / النسبية العامة / ميكانيكا الكم / المجال الكمي .. على آخره ) ، وكيف تطورت هذه المُسَلّمَات من حيز الإدراك المباشر للحواس .. إلى حيث انتهت إلى حيز الغيب والبعد عن الحواس المباشرة .. وأصبح العبرة فيما تؤدي إليه هذه المُسَلّمَات ـ وما يتبعها من قوانين فيزيائية ـ من نتائج قابلة للملاحظة والقياس المباشر والتحقيق . ويرجع أهمية هذا العرض إلى تمكيننا من إدراك التماثل بين ما جاء به القرآن المجيد من مُسَلّمَات قابلة للقياس والتحقيق وبين ما انتهت إليه البشرية من مفهوم للعلم المعاصر .

كما يعرض البحث للإحكام الشديد للصياغة القرآنية للقوانين الفيزيائية ، وبين ما يمكن صياغته لنفس القوانين باستخدام المنطق والفكر البشري . والمعروف أن الإنسان لا يمكنه صياغة أي قانون فيزيائي ( أو حتى غير فيزيائي ) إلا بعد معرفة كمية تراكمية هائلة من المعلومات الناتجة عن الملاحظات والتجارب والقياسات المعملية حتى يمكنه صياغة القانون في شكله النهائي ( المنهج الإستقرائي ) .. وهو ما لم يحققه الإنسان إلا في العصر الحديث .. أي بعد نزول القرآن المجيد بأكثر من خمسة عشر قرنا ..!!! وبديهي ؛ عرضنا سوف يشمل طيف عريض من الآيات القرآنية الكريمة وليس آية بعينها .

 

الله ـ سبحانه وتعالى ـ مصدر المعرفة والعلم الإنساني ..

حتى لا يخطيء الظن لأول وهلة من عنوان هذا البحث ـ .. بين الصياغة البشرية والصياغة الإلهية ـ والذي قد يوحي باستقلالية الفكر الإنساني عن الإحاطة والقدرة الإلهية ، لابد لي من الإشارة أولا إلى أن علم الإنسان مصدره الله ( سبحانه وتعالى ) ، كما جاء في قوله تعالى ..

{ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) }

( القرآن المجيد : العلق {96} : 5 )

وعلم الإنسان يشمل ” الحشد .. والمنطق “ ، أي حشد الأسماء ، والمنطق الإنساني ( وهو عبارة عن العلاقات الترابطية بين مفردات الحشد ) وكلاهما مستقل عن الآخر . فعن ” حشد الأسماء ” يقول المولى ( عز وجل ) ..

{ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا .. (31) }

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 31 )

و ” آدم “ في هذا النص الكريم يشمل ” آدم وذريته ” ، أو البشرية بصفة عامة . ومن هذا النص الكريم نرى أن العملية التعليمية تتم بالإلهام الإلهى ( أو بالفطرة [2] ) . و ” الأسماء كلها “ في هـذا النص الكريم تعني ” الحشد أي حشد الأسماء ” على النحو السابق ذكره .

أما المنطق الإنساني .. والذي يمثل العلاقات الترابطية والبيانية بين مفردات الحشد ـ ومصدره الله( سبحانه وتعالى ) أيضا ـ فيأتي فى قوله تعالى :

{ خَلَقَ الإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ البَيَانَ (4) }

( القرآن المجيد : الرحمن {55} : 3 - 4 )

وهكذا ؛ يمثل النص القرآنى الأول ” حشد الأسماء “ ، بينما النص القرآنى الثانى يمثل ” المنطق الإنسانى “ .. وكلاهما مصدره الله ( سبحانه وتعالى ) . ويخضع علم الإنسان ومعرفته لحدود محددة أو مقررة سلفا وبما هو مسموح به فقط من الله ( سبحانه وتعالى ) ، كما جاء في قوله تعالى ..

{ .. وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء .. (255) }

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 255 )

ويبين لنا المولى ( عز وجل ) بأنه هو مصدر علم الإنسان على طول تقدمه الحضاري .. كما جاء في قوله تعالى ..

{ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) }

( القرآن المجيد : الشعراء {26} : 132 )

أي أن عملية التعليم والتطور الحضاري للإنسان هي عملية مستمرة ومصدرها الله ( سبحانه وتعالى ) أيضا .

ويخبرنا المولى ( عز وجل ) بلانهائية العلم .. كما يأتي هذا في قوله تعالى ..

{ .. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) }

( القرآن المجيد : يوسف {12} : 76 )

وتفسير ذلك سهل .. لأن كل عليم هو ذو علم ، وبالتالي فوقه عليم آخر .. وهكذا بغير نهاية [ تماما كما يتم تعريف لانهائية الأعداد بأنها : " يوجد دائما عدد أكبر من أي عدد كبير يمكن ذكره " ] . وعلى الرغم من لانهائية العلم .. إلا أنه علم محدود .. كما جاء في قوله تعالى ..

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) }

( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 85 )

وهنا نصل إلى معنى المتسلسلات الرياضية التقاربية .. أي على الرغم من وجود الزيادة المضطردة في العلم إلا أن القيمة النهائية لعلم الإنسان هي قيمة محدودة ولا يمكن أن تتجاوز قيمة معينة وقليلة .. ويمكن توضيح هذا المعنى بالشكل الرياضي رقم 1 ..

شكل 1 : شكل يبين المنحنى التقاربي للزيادة الاضطرادية لعلم الإنسان على طول حضاراته وهو لن يتجاوز قيمة محددة قليلة لن يدركها الإنسان حتى في نهاية حضاراته

 

وحتى القليل من العلم لن يدركـه الإنسان حتى في نهاية حضاراته .. كما جاء في قوله تعالى ..

{ .. حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) }

( القرآن المجيد : يونس {10} : 24 )

[ التفسير : زخرفها وازينت : بهجتها من جميع صور وألوان النبات والجماد وألوان التقدم التكنولوجي / آتاها أمرنا : آتاها قضاؤنا / حصيدا : أي اجتثاث كل صور الزخرف والزينة كما لو أنها نبات حصده المنجل / كأن لم تغن بالأمس : كما لم تكن موجودة بالأمس ، ويعني هذا اختفاء كل صور الزخرف والزينة السابقة قبل قضاء الله ]

فكما نرى أن الإنسان سوف يظن أنه أدرك نهاية العلم .. ولكنه يعلم يقينا بأنه لم ولن يدرك هذه النهاية ..!!! ويبقى قبل أغادر هذه الفقرة .. أذكّر بقوله تعالى ..

{ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) }

( القرآن المجيد : الحديد {57} : 3 )

وهنا يختفي الإنسان بعلمه .. ويختفي الوجود بمفرداته .. ولا يبقى سوى الله سبحانه تعالى .. ويصبح هو المعلم عنكم سواكم .. ويبقى عِلم من لا يزال كما لم يزل .. ولكنها نظرة لا يدركها إلا الخواص ..

وبعد هذا التقديم يمكننا أن نقوم بتعريف المنهاج العلمي والرياضي من خلال الفكر المعاصر حتى يمكننا استكمال شرح معنى التحول في النموذج الديني عنوان الكتاب .

 

المسلمة العلمية (Scientific Postulate) والبديهية (Axiom) ..

في الواقع ؛ سوف يجد المتتبع للحضارة العلمية ، التي أسسها الإنسان على مدار التاريخ ، أنها مبنية جميعها على فكر المسلمات العلمية والبديهيات . ولهذا سوف نبدأ المدخل العلمي لهذا البحث بتعريف “ المُسلَّمة الرياضية أو العلمية ” وهو الفكر العلمي السائد في جميع النظريات العلمية الحديثة والمعاصرة .. ونبدأ بتعريف ” المُسلَّمة العلمية ” بأنها :

[ منطوق علمي أو عبارة علمية يتم قبولها كقضية مُسَلَّم بها بدون برهان وتستخدم كأساس لبناء النظرية عليها . ويتم التأكد من صحة هذه العبارة إما بالتحقيق العملي بالقياس المباشر لمعنى هذه العبارة .. أو بالنتائج المترتبة عليها أو المستنتجة منها .. فإن صدقت النتائج صدقت العبارة العلمية أو المسلمة وبالتالي النظرية المؤسسة عليها .. وإن بطلت النتائج بطلت العبارة العلمية أو المسلمة وبالتالي بطلت النظرية المؤسسة عليها . ] [3]

وفي خلال الفترة من سنة 1600 إلى سنة 1800 حاول علماء الرياضة بيان أن ” المسلمة العلمية ” هي مكافئة إلى نتائج تعتبر ظاهرة بذاتها ( Self-evident ) ولا تحتاج إلى برهان أي مثلها في هذا مثل ” البديهية : Axiom ” . ولكن مع تطور العلوم أصبحت المسلمة العلمية أبعد ما يمكن على أن تكون ظاهرة بذاتها . وليس هذا فحسب ؛ بل أصبحت ـ كما سنرى ـ أبعد ما يمكن عن الحواس البشرية المباشرة أيضا .. وسنسير مع التاريخ لنرى إلى أي مدى تطور مفهوم المسلمة العلمية .

 

مسلمات هندسة إقليدس ( الهندسة المستوية ) ..

ولتوضيح المعاني السابقة ؛ سوف نعرض هنا أبسط البديهيات التي بدأ بها الإنسان حضارته ومنهاجـه الرياضي وأول مدخله إلى العلم المنظم .. ألا وهي بديهيات إقليدس الخمس . فهندسة إقليدس [4] والتي تمثل أسس علم الهندسة المستوية في العالم منذ أكثر من ألفي سنة وحتى الآن .. تقوم على ” خمس بديهيات : Five common notions و ” خمس مسلمات أساسية : Five basic postulates. وتأتي الصياغة الحديثة للبديهيات الخمس على النحو التالي :

  1. الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية فيما بينها .

  2. إذا أضيف كميات متساوية إلى أخرى متساوية تكون النتائج متساوية .

  3. إذا طرحت مقادير متساوية من أخرى متساوية تكون النتائج متساوية .

  4. الأشياء المتطابقة متساوية .

  5. الكل أكبر من الجزء .

أما الـ ” خمس مسلمات الأساسية : Five basic postulates ” تأتي على النحو التالي :

  1. الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين .

  2. يمكن مد الخط المستقيم من طرفيه إلى غير نهاية .

  3. يمكن رسم الدائرة إذا علم مركزها ونصف قطرها .

  4. جميع الزوايا القوائم متساوية .

  5. إذا قطع مستقيمان بمستقيم ثالث بحيث يكون مجموع الزاويتين الداخلتين الواقعتين على جهة واحدة من القاطع أقل من قائمتين [5] ، فإن المستقيمين يتلاقيان في تلك الجهة من القاطع إذا مدا إلى غير نهاية ( أنظر شكل رقم 2 ) .

وكما نرى ؛ فإن جميعها عبارات ظاهرة بذاتها .. فيما عدا المسلمة الخامسة والتي يلزم لبيانها الرسم البسيط المبين في شكل رقم 2 .

وتقول الموسوعات العلمية لقد كان اختيار المسلمة الخامسة لإقليدس بصفة خاصة أعظم ما أنتجه إقليدس . وعلى الرغم من بساطة هذه المسلمة وقابليتها للتحقيق ـ كما هو واضح من الرسم ـ إلا أنها تعتبر من أعقد الأمور على المتخصصين .. بل ويعتبر إقامة البرهان عليها بشكل مباشر من درب المستحيلات . فإقامة البرهان عليها ـ في الواقع ـ يأتي من قياس النتائج المترتبة عليها .. وقد صدقت هذه القياسات .. كما في الشكل السابق وبالتالي فقد ثبت صحة هذه المسلمة .

شكل 2 : الرسم الهندسي البسيط الذي يبين معنى المسلمة الخامسة لإقليدس

 

وقد تبدو المسلمة الخامسة من الرسم السابق من البساطة بمكان .. ولكن برهانها الرياضي يكاد ينعدم أو يكون مستحيلا . ويعلق جورج سارتون في كتابه ” تاريخ العلم ” على هذه المسلمة بقوله : ” قد يقول الشخص متوسط الذكاء ، إن هذه المسلمة ظاهرة بذاتها ولا تحتاج إلى برهان .. ولكن الرياضي يدرك فورا الحاجة إلى برهان ، ويحاول أن يعطيه . ويحتاج الأمر إلى عبقري خارق للعادة لإيجاد هذا البرهان .. ولكنه مستحيل .. “

وعلى مدى أكثر من ألفي عام حاول كبار علماء الرياضة في الشرق والغرب ، ومنهم بالطبع علماء الحضارة العربية الإسلامية ( ناصر الدين 1201 ـ 1274 ) ، أن يبرهنوا على صحة هذه المسلمة ، وكان الإغريق أول من قام بهذه المحاولات .. ولكنهم باءوا جميعا بالفشل ..!!!

وقد وضع بعض علماء الرياضة العديد من البدائل للمسلمة الخامسة . وقد فكر بعض العباقرة في أن يتخلصوا منها على أساس أنها غير ضرورية ، ونجحوا في ذلك ، ولكن على حساب إدخال مسلمات أخرى تعادل المسلمة الخامسة .. ومن تلك البدائل المسلمات التالية :

  • إذا قطع مستقيم أحد مستقيمين متوازيين فإنه يقطع الآخر .

  • من أي نقطة معلومة لا يمكن رسم إلا مستقيم واحد يوازي مستقيما معلوما .

  • مجموع زوايا المثلث الثلاث الداخلية يساوي قائمتين ( 180 درجة ) .

وهكذا كانت المسلمة الخامسة لإقليدس هي المعضلة الكبرى لقطاع عريض من علماء الرياضيات . وقام بوليا [6] أحد علماء الرياضة بالبرهنة على عدم ضرورة المسلمة الخامسة وبعث ببرهانه هذا إلى صديقه كارل ف . جاوس . ولكن سرعان ما اكتشف جاوس وجود خطأ في برهان بوليا .. حيث تأكد بوليا ـ فيما بعد ـ من صحة ما ذهب إليه جاوس . وقد كان والد بوليا رياضيا هو الآخر .. ومهتما بالمسلمة الخامسة لإقليدس .. وأطلع ابنه على محاولاته الخاصة لحل هذه المسلمة الخامسة .. وإنه انشغل بحلها لسنوات عديدة .. ولم يصل إلى حل . وقد حذر الوالد ابنه من السير في هذا الطريق الوعر ..!!! وقال لابنه : إنك لو سرت في هذا الطريق الوعر مثل أبيك ، فلن تجد غير الشقاء والتعاسة ، فهذه المسلمة سوف تفسد عليك حياتك وتسممها كما سممت حياة أبيك ..!!!

وهكذا ؛ كان هذا العرض ضروريا لبيان أن المسلمة الرياضية أو العلمية قد تتأكد صحتها من واقع القياسات المباشرة .. ولكن قد لا يقوم عليها البرهان الرياضي بشكل ما أو بآخر .

 

مسلمات النظرية النسبية الخاصة ..

ويتحرك موكب الحضارة البشرية مع تقدم الزمن .. وتزداد المسلمات العلمية تعقيدا بحيث أصبحت صياغتها العادية غير واضحة بذاتها كما حاول الرياضيين القول بهذا من قبل . وليس هذا فحسب .. بل وقد تتناقض صياغتها مع أبسط إدراك لحواسنا العادية ..!!! ونعرج الآن ؛ على مسلمات : ” النظرية النسبية الخاصة : The Special Theory of Relativity لبيان هذه المعاني .. وهي واحدة من أشهر النظريات الفيزيائية المعاصرة .. حيث تقوم هذه النظرية على ” مُسلَّمتين أساسيتين يمكن صياغتهما على النحو التالي :

المسلمة الأولى وتقول بأن : ” سرعة الضوء في الفراغ لها نفس القيمة الثابتة بالنسبة إلى كل الأنظمة القصورية المتحركة بحركة منتظمة في خط مستقيم ، كما وإن هذه السرعة مستقلة عن حركة مصدر الضوء أو المستقبل ( أي الفرد الملاحظ ) ” .

المسلمة الثانية وتقول بأن : ” جميع قوانين الفيزياء أو المعادلات الرياضية الدالة عليها لها نفس الصورة بالنسبة إلى جميع الأنظمة القصورية المتحركة بالنسبة إلى بعضها البعض بحركة منتظمة وفي خط مستقيم ” .

شكل 3 : يبين رجل متحرك بسرعة ع يطلق شعاع ضوئي بسرعة ض ليراه مراقب خارجي واقف عن X

 

والرؤية المبدئية للمسلمة الأولى لمبدأ النظرية النسبية الخاصة تبدو غير معقولة بالمرة ..!!! فعلى سبيل المثال ؛ إذا فرضنا وجود عربة متحركة بسرعة ” ع “ ، كمـا في شكل رقم 3 ، وأطلق راكبا منها شعاع ضوئي بسرعة ” ض “ .. فعلى حسب قوانين جمع السرعات المعروف في الميكانيكا الكلاسيكية .. فالمتوقع لمراقب عند نقطة Xأن يرى سرعة شعاع الضوء المنطلق نحوه هي ( ض + ع ) .

ولكن هذه المسلمة تقول بأن شعاع الضوء يتحرك بسرعة لا علاقة لها بسرعة المصدر أو المستقبل ، وبالتالي فإن سرعة الضوء المنطلقة نحو المراقب ( X ) سوف تكون ( ض ) فقط وليس ( ض + ع ) [7] . وليس هذا فحسب ؛ بل أن المسلمة تقول .. حتى إذا كانت سرعة العربة المتحركة هي سرعة الضوء نفسه .. فإن المراقب عند ( X ) سوف يجد أن سرعة الضوء التي تصله من العربة هي ( ض ) فقط .. وليس ( 2ض ) كما هو متوقع بما تمليه علينا حواسنا العادية ..!!! وهي نتيجة في غاية من الغرابة وتتناقض تماما مع إدراكنا العام ( common sense ) وبذلك كان على الإنسان إعادة النظر في قانون جمع السرعات الوارد في الميكانيكا الكلاسيكية .

وفعلا تم اكتشاف القانون الجديد الخـاص بجمع السرعات في حالة أخـذ مبدأ النسبية الخاصة في الاعتبار وهو كما يظهر في تذييل رقم 7 السابق .

ومن أشهر نتائج ” النظرية النسبية الخاصة “ قانون أو مبدأ تكافؤ المادة والطاقة الذي يقول بأن : ” الطاقة المتركزة في مادة ما = كتلة هذه المادة × مربع سرعة الضوء “ . وهي المعادلة التي فسرت ظواهر طبيعية كثيرة منها الطاقة المتولدة في باطن النجوم .. وكذا الطاقة المتولدة من التفاعل النووي في القنابل الذرية والهيدروجينية . وهكذا ثبت صحة النتائج المترتبة على المسلمات الخاصة بالنظرية النسبية الخاصة بالقياسات المعملية .. وبالتالي ثبت صحة هذه المسلمات .. على الرغم من عدم وضوح معناها بشكل مباشر .. وربما تناقضها كذلك مع إدراكنا وحواسنا العادية .

 

المسلمة الخاصة بالنظرية النسبية العامة ..

فإذا انتقلنا إلى النظرية النسبية العامة : The General Theory of Relativity وهي نظرية ليست تعميم للنظرية النسبية الخاصة كما يبدو من اسمها .. ولكنها في الواقع هي نظرية عن الجاذبية العامة .. وتقوم على أساس ” مُسلَّمة علمية ” واحدة .. تعرف باسم ” مبدأ التكافؤ ” [8] . ويمكن صياغتها في الصورة البسيطة التالية :

” أي نظام إسناد يتم تحريكه بتسارع ما ( أي بعجلة ) بالنسبة إلى أي نظام قصوري يكافئ تماما نظام إسناد ساكن وموضوع في مجال جذبي له نفس العجلة التي تم تسريع النظام الأول بها “.

كما يمكن ـ أيضا ـ صياغة هذه المسلمة في الصورة التالية ..

[ لا توجد تجربة محلية يمكن إجراؤها للتمييز بين نظام إسناد يسقط سقوطا حرا في مجال جذبي .. وبين نظام يتحرك في الفضاء بحركة منتظمة في خط مستقيم في غياب المجال الجذبي ] .

وهذه هي المسلمة الوحيدة للنظرية النسبية العامة .. وهي أحد النظريات الأساسية في الفيزياء المعاصرة . هذا وقد جرى جدل كثير حول اعتبار هذا المسلمة مبدأ ( Principle ) أو مسلمـة ( Postulate ) .. ولكن ما يعنينا أنه قد ثبت صحة النتائج المترتبة على هذه المسلمة بثلاث ظواهر كونية أو طبيعية مستقلة أمكن قياسها .. وتأتي هذه الظواهر كالتالي ..

الظاهرة الأولى : هي انحناء شعاع الضوء عند مروره في المجال الجذبي بجوار الكتل الهائلة مثل كتلة الشمس .

شكل يبين انحناء الضوء القادم من المجرات عند مروره بجوار الكتل النجمية الهائلة

 

وقد تم قياس انحناء الشعاع الضوئي الصادر عن النجوم عند مروره بجوار الشمس في وقت خسوفها الكلي .. ووجد أن قيمته تتراوح بين ( 1.57 إلى 1.82 ± 0.2 ) ثانية قوسية . وعلى الرغم من صغر هذه القيمة إلا أنه أمكن قياسها باستخدام التكنولوجيات الحديثة .. وهي قيمة قريبة جدا من القيمة التي